المبشر بن فاتك
118
مختار الحكم ومحاسن الكلم
الثلاثة التي قدّمنا ذكرهم الذين من ولد اسقلبيوس الأول برودس « 1 » وقنيدس وقوّ ، حتى إنه لم يبق منهم إلّا البقيّة بقوّ التي أحياها أبقراط ونظر في أقاويل قراباته من أهل الجزائر الثلاثة فوجد كثيرا منهم قد أحدث في الطب آراء كاذبة تزيد في كل زمان ؛ فخاف أن ينمو الفساد فيضيع ما خلّفه جدهم اسقلبيوس ، وتندرس صناعة الطب . فرأى إثباتها في الكتب بأقاويل غامضة . وأوعز إلى ولديه تاسالس وذراقن أن يعلّماها من يستحقها فهو أولى « 2 » من الغريب غير المستحق . ورأى أن يذيعها في سائر الأرض لئلّا تبيد . ففعلا ذلك ، وخاصة تاسالس منهما . فثبت شرف الطب من ذلك الزمان الطويل إلى اليوم . وجعل الغرباء المتعلمين للطب كالأولاد بما عقد في رقابهم من الأيمان . ولم يكن في الطب كتب ، بل كان كل واحد من آل اسقلبيوس يلقّنه على من يعلّمه إياه تلقينا ومعه تذكيرا ، بلغات يعرفها هو فقط كيلا تخرج هذه الصناعة الشريفة إلى سائر الناس فتذهب محاسنها ويكثر الغلط فيها . ولما مات أبقراط خلّف من الأولاد ابنيه تاسالس وذراقن وابنته مالاناأرسا ، ومن أولاد الأولاد أبقراط بن تاسالوس ، وأبقراط بن ذراقن . وخلّف من التلاميذ الغرباء خلقا كثيرا . وأنفذ بهمن أردشير « 3 » ملك الفرس إلى قيلاطيس « 4 » ملك
--> ( 1 ) ص : برذوس . ( 2 ) ص : أول . ( 3 ) ورد في « رسالة البيروني في فهرست كتب محمد بن زكريا الرازي » ( نشرة بأول كراوس ، باريس سنة 1936 ص 23 - ص 24 ) : « إن أبقراط كان في أيام اردشير بهمن ، واسمه في كتب أهل المغرب ارطخشست ، ولقبه طويل اليدين . فقد كان طلبه من عامل قو ، وقت محاصرته رومية ، على ما ذكره جالينوس في تفسيره لعهود أبقراط . ولكن في تواريخ الفرس تخاليط تمنع تحقق الأمر » . ( 4 ) بالقاف في النص .